الآلوسي

103

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

تجليات الجمال والجلال لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ بالفناء إلينا فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وهي النفس وقواها وَرِثُوا الْكِتابَ وهو ما ألهم اللّه تعالى العقل والقلب يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وهي الشهوات الدنية واللذات الفانية ويجعلون ما ورثوه ذريعة إلى أخذ ذلك وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ولا بد لأنا واصلون كاملون وهذا حال كثير من متصوفة زماننا فإنهم يتهافتون على الشهوات تهافت الفراش على النار ويقولون : إن ذلك لا يضرنا لأنا واصلون . وحكي عن بعضهم أنه يأكل الحرام الصرف ويقول : إن النفي والإثبات يدفع ضرره وهو خطأ فاحش وضلال بيّن أعاذنا اللّه تعالى وإياكم من ذلك . وأعظم منه اعتقاد حل أكل مثل الميتة من غير عذر شرعي لأحدهم ويقول : كل منا بحر والبحر لا ينجس ولا يدري هذا الضال أن من يعتقد ذلك أنجس من الكلب والخنزير . ومنهم يحكي عن بعض الكاملين المكملين من أهل اللّه تعالى ما يؤيد به دعواه وهو كذا لا أصل له وحاشا ذلك الكامل مما نسب إليه حاشا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أي إنهم مصرون على هذا الفعل القبيح أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ الوارد فيما ألهمه اللّه تعالى العقل والقلب أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ فكيف عدلوا عنه وَدَرَسُوا ما فِيهِ مما فيه رشادهم وَالدَّارُ الْآخِرَةُ المشتملة على اللذات الروحانية خير للذين يتقون عرض هذا الأدنى وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ أي يتمسكون بما ألهمه اللّه تعالى العقل والقلب من الحكم والمعارف وَأَقامُوا الصَّلاةَ ولم يألوا جهدا في الطاعة إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ منهم وأجرهم متفاوت حسب تفاوت الصلاح حتى إنه ليصل إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ وهو جبل الأمر الرباني والقهر الإلهي كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ غمامة عظيمة وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ إن لم يقبلوا أحكام اللّه سبحانه خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ بجد وعزيمة وَاذْكُرُوا ما فِيهِ من الأسرار لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ تنتظمون في سلك المتقين على اختلاف مراتب تقواهم . والكلام على قوله سبحانه : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ إلخ من هذا الباب يغني عنه ما ذكرناه خلال تفسيره من كلام أهل اللّه تعالى قدس اللّه تعالى أسرارهم خلا أنه ذكر بعضهم أن أول ذرة أجابت ببلى ذرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكذا هي أول مجيب من الأرض لما خاطب اللّه سبحانه السماوات والأرض بقوله جل وعلا : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصلت : 11 ] وكانت من تربة الكعبة وهي أول ما خلق من الأرض ومنها دحيت كما جاء عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ، وكان يقتضي ذلك أن يكون مدفنه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة حيث كانت تربته الشريفة منها ، وقد رووا أن المرء يدفن حيث كانت تربته ، ولكن قيل : إن الماء لما تموج رمى الزبد إلى النواحي فوقعت ذرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى ما يحاذي مدفنه الكريم بالمدينة ، ويستفاد من هذا الكلام أنه عليه الصلاة والسلام هو الأصل في التكوين والكائنات تبع له صلّى اللّه عليه وسلّم قيل : ولكون ذرته أم الخليقة سمي أميا ، وذكر بعضهم أن الباء لكونه أول حرف فتحت الذرة به فمها حين تكلمت لم تزل الأطفال في هذه النشأة ينطقون به في أول أمرهم ولا بدع فكل مولود يولد على الفطرة ، قيل : ولعظم ما أودع اللّه سبحانه وتعالى في الباء من الأسرار افتتح اللّه تعالى به كتابه بل افتتح كل سورة به لتقدم البسملة المفتتحة به على كل سورة ما عدا التوبة وافتتاحها ببراءة وأول هذه اللفظة الباء أيضا ، ولكون الهمزة وتسمى ألفا أول حرف قرع أسماعهم في ذلك المشهد كان أول الحروف لكنه لم يظهر في البسملة لسر أشرنا إليه أول الكتاب واللّه تعالى الهادي إلى صوب الصواب وَاتْلُ عَلَيْهِمْ عطف على المضمر العامل في إِذْ أَخَذَ وارد على نمط الإنباء عن الحور بعد الكور ، أي واقرأ على اليهود أو على قومك كما في الخازن نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا أي خبره الذي له شأن وخطر ، وهو كما روى ابن مردويه وغيره من طرق عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما بلعم بن باعوراء وفي لفظ بلعام بن باعر وكان من